images2   د/ جيلالي بلوفـة عبـدالقـادر -جـامعة تلمسـان-

مقـدمــة

إن الكتابة التاريخية قيد وشرط، فهي مضبوطة بمقاييس علمية منهجية تكون ثرية بثراءالمادة العلمية من تنوع مصادرها ومراجعها يقتضي البحث عنها.

فيما يخص تاريخ الثورة التحريريةالجزائرية المجيدة واللامعة بأمجادها وبطولاتها وتشعب مواضيعها، فإنه من الضرورةملاحظة نقص الأرشيف، أو بالأحرى وجوده مصادرا ومحجوزاُ في فرنسا واسترجاعه يمدبالباحث مادة علمية تكشف النقاب عن عدة قضايا تاريخية.

ومواجهة لهذا النقص، وجب على الباحث الاعتمادعلى جمع الشهادات المكتوبة والشفوية و تدوينها، خاصة لمعايشي هذه الأحداث منشخصيات وطنية كان لها ضلعاُ وشأناُ في الحركة الوطنية والثورة التحريري[1].

وفي هذا الإطار، نسجل عدة محاولات علمية وطنيةجادة لجمع الشهادات في نواحي عديدة من الجزائر، ومنها تجربة مديرية المجاهدينلولاية تلمسان في إصدار السجل الذهبي للمجاهدين.

ففي السجل الذهبي، معلومات تاريخية مهمة فيمواضيع كثيرة ومنها دور المرأة غي الثورة التحريرية بالولاية الخامسة كتسجيل شهيدات المنطقة والنساء الخسناواتوعددهن تسعة امرأة[2]

1/ تعريف الولاية الخامسة

كانت الولاية الخامسة تمتد من البحر الأبيضالمتوسط شمالاُ إلى أقصى جنوب الجزائر، و من حدود المغرب الأقصى غرباُ إلى الحدودالإدارية لعمالة الجزائر شرقاُ إي حدود الولاية الرابعة و السادسة، تمر من القربمن تنس، وتنحدر إلى واد الشلف و تقطع الونشريس الذي يعتبر المنحدر الغربي تابعللولاية الخامسة و يلتحق بسهل سرسو بارتفاع بيردو[3]

مثلث الولاية الخامسة ثلث مساحة القطرالجزائري وقسمت إلى ثمانية مناطق عسكرية منها تلمسان، عين تموشنت، وهران، سيديبلعباس، سعيدة ومعسكر[4]هوعبارة عن تعريف بالولاية التاريخية الخامسة أهميتها الإستراتيجية إحصاء للمعارك،والمجاهدين والشهداء حسب المناطق والبلديات...

ولها موقعاُ استراتيجياُ مهماُ نتيجةللخصائص الطبيعية التي وهريت لها شروطأ مناسبة و مساعدة على تطوير العمل العسكري،حيث أنها تمتاز بسلسلة

جبلية تمتد من جبالالقصور، عمور، تسالة، تلمسان، الظهرة و الونشريس[5] .

ولقد تعاقب على قيادة الولاية الخامسة كلمن الشهيد العربي بن مهيدي منذ التحضير و انطلاقة الثورة حتى استشهاده يوم: 04مارس 1957 ، ثم خلفه عبد الحفيظ بوصوف حتى 19 ديسمبر 1958 ، وبعده أصبح هواري بومدينالذي تقلد مناصب قيادة الولاية الخامسة، ثم قيادة الأركان العامة منذ جانفي 1960 وخلفه في قيادة الولاية: العقيد لطفي حتى استشهاده في 29 مارس 1960 . وجاءبعده العقيد بن حدو بوحجر المدعو العقيد عثمان حتى الاستقلال[6].

شهدت المنطقة الخامسة /تسمية الولايةالخامسة بعد مؤتمر الصومام 20 أوت 1956 / وقوع عدة معارك كبرى[7]منذانطلاقة الثورة، إلا انه يمكن الإشارة الى بيان أصدره قائد الولاية الخامسة محمدالعربي بن مهيدي فيه "أمر بتوقيف النشاط الثوري لاسباب وجيهة وموضوعية"، حيث تم التركيز بعدها على عمليات التوعية و التنظيم الهيكلي للثورةفي القرى والمداشر قبل أن تنطلق على نطاق واسع عبر تراب الولاية الخامسة بكل قوةبداية من عمليات الحرق و تدمير مزارع المستوطنين خاصة منذ ماي 1956[8].

وصفت منطقة الغرب بالمناطق الهادئة ( Zones calmes ) في عدة كتابات فرنسية، وكانالقصد منها عزلها عن باقي مناطق الجزائر وإظهار الثورة الجزائرية خاصة عندانطلاقتها، بأنها ثورة إقليم وجماعةمعزولة وليست بثورة وطنية.

من خلال تصفح الأرشيف الوطني المصادربفرنسا، وخاصة منه المتعلق بفترة قبيل 1954 بمنطقة الغرب الجزائري، هناك عدة تقاريرإدارية وأمنية استعمارية صادرة عن رؤساء المقاطعات وحاكم العمالة تؤكد كلها علىحالة الفوضى والاضطراب واللاأمن، وحالات محاكمات كثيرة، ومنها ما سمته هذهالتقارير قضية النساء السبعة.

2 قضية النساء السبعة-جانفي 1954

وقعت عمليات مراقبة و تفتيش بجماعة الصخرة/دوار بني منير / التابع للبلدية المختلطة /ندرومة يوم 18 جانفي 1954 أدت إلى وقعاصطدام بين سكان القرية وقوات الدرك الفرنسية تم على اثره اعتقال السيد واضح مختار وعلي المغترب وسبعةنساء بتهمة التحريض على العصيان[9].

حكمت محكمة نمورز (الغزوات حالياُ)المتهمين الرجال بسنتين سجناُ وغرامة مالية مقدرة بمائة وعشرين إلف فرنك فرنسي، وعلى النساء بثلاثةشهور سجناُ[10]

تمت هذه المحاكمة في جو اضطراب شعبي، تميزبنشاط الجبهة الجزائرية للدفاع عن ضحايا القمع الاستعماري وتنظيم حركة الانتصارللحريات الديمقراطية تجمعاُ بتلمسان يوم 11 فبراير 1954 تضامناُ مع نساء نمورز،تدخل من خلاله نواب وأعضاء من الحركة، كان من بينهم محمد كبير، مسؤول حركةالانتصار في مغنية الذي قال بان الامبريالية الفرنسية هي في حالة ضعف في شمال إفريقيا....ولذا لا بد منالاستمرار في المقاومة[11].

واستأنفت قضية النساء في محكمة نمورز بعديوم من التجمع وحكمت المحكمة على النساء بشهرين سجناُ.

وتدل هذه القضية كغيرها على مدى مساهمةالمرأة في نضال ومقاومة الاستعمار المستمر والممتد قبل الثورة...والمتواصل خلالها.

3 عينات من نضال المراةالجزائرية بالمنطقة خلال الثورة

من خلال بحث ميداني في مذكرات مدونةواستجوابات أجريت مع نساء مجاهدات بمنطقة تلمسان، ننقل بعض العينات منها ما يلي:

1- الشهيدة شادية شلالي غنوجة:( 1939- 1957 ) ولدت يوم 8 جانفي 1939 بوجدة، أين درست بها المرحلةالابتدائية وانخرطت في الاتحاد العام للطلبة الجزائريين. التحقت بالثورة في جانفي1957 ، وكانت من بين الطلبة الأوائل الذين التحقوا بالثورة في المنطقة الخامسة،وأصبحت عضواُ فعالاُ داخل قيادة المنطقة التي كان يقودها الرائد فراج. سقطت شهيدةفي معركة على بعد 30 كلم جنوب سفيزف / جوان 1957 / و لم يكن عمرها يزيد عن ثمانيةعشر سنة[12].

2- الشهيدةالدكتورة صليحة ولد قابلية (1934- 1959 ):ولدت في مدينة معسكر، أين درست بها في المرحلة الابتدائية و الثانوية ثم التحقتبجامعة الجزائر 8ماي 1959، وخلال إضراب الطلبة، عادت صليحة إلى معسكر والتحقت بصفوفجيش التحرير الوطني وقامت بمهمة التمريض بالمنطقة السادسة للولايةالخامسة.واستشهدت في 1959 اثر اشتباك ليلي على بعد خمس كيلومترات شرق مدينة معسكر[13].

3 -المجاهدة بن داودفاطنة: ولدت في 29 سبتمبر 1928 : مناضلة بسيطة، كانت فاطنةمكلفة بالاتصال وتحضير الأدوية والوسائل الطبية من طبيب من ندرومة، زوجها طبيب. كانا يقومان معاُبمداواة المرضى. اعتقلت في أكتوبر 1958 بعد حصار فرضه الجيش الفرنسي، مع زوجهاوابن أخيها، وتعرضت للتعذيب، الكهرباء،الماء، وعلقت في السقف، ووضع حولها الحطب وهددت بالحرق، وسجنت في مركز الحصحاص ،تلمسان داخل مطمورة.

ونقلت إلى مركز آخر وهو مركز بوطرق، اين سجنتداخل زنزانة كان بها خمسة نساء وطفلين، وبقيت هناك مدة ثلاثة شهور وبعد إطلاقسراحها، استشهد زوجها[14].

خاتمـــــة

من خلال ما سبق من وصف لعينات وحالات منالشهيدات والمجاهدات بمنطقة تلمسان، يمكن الوقوف عن الملاحظات التالية:

1) التأكيد على قيمة وأهمية الشهادة المكتوبة والشفويةللمناضلات المجاهدات في كتابة تاريخ الثورة الجزائرية، خاصة في غياب المصادرالأرشيفية المتعلقة بالموضوع.

2) إن مجال الكتابة التاريخية في قضايا أشكالنضال المرأة الجزائرية في المنطقة وغيرها من أرجاء الجزائر واسع، خاصة إذا تعلقالأمر بمناضلات مجاهدات لم يكتب عنها ولو قليلاُ فوجب على الباحث إن يساهم في نفضالغبار والكشف عن حقائق تاريخية كثيرة.

3)  إن أشكال نضال المرأة الجزائرية في الثورةالتحريرية بمنطقة تلمسان عديدة، حيث ساهمت بطرق عديدة (الاتصال، نقل أخبارالمستعمر، التطبيب والتمريض، التوعية، العمل الفدائي و في الجيش النظامي فيالمدينة والريف).

___________________________

[1] -مخبر تاريخ الجزائر و إفريقيا، دور المرأة الجزائرية فيالحركة الوطنية، جامعة وهران، جوان 1989، ص104

[2] -مديرية المجاهدين لولاية تلمسان، السجل الذهبي 2004،تلمسان

[3]- جنال قندل، خط موريس و شال على الحدود الجزائريةالتونسية و المغربية و تاثيرها على الثورة الجوائرية/ 1957+1962/، ط1، دار الضياء،الجزائر، 2006، ص.23

[4] -مديرية المجاهدين لولاية سيدي بلعباس القاموس الذهبيلشهداء تورة التحرير لولاية سيدي بلعباس، ص.05

[5] -جمال قندل، المرجع السابق،ص.24

[6] -قنطاري محمد، قيادة الحدود و القاعدة الفرنسية، مديريةالمجاهدين لولاية تلمسان، الملتقى الوطني حول الحدود الغربية، نوفمبر 2001 /عملمنشور ص.28

[7]- ضمن السجل الذهبي مديرية المجاهدين تلمسان جرد و إحصاءللمعارك.

[8] -الزوبير بشلاغم، اضواء على واقعة تارقة، مجلة أولنوفمبر، مديرية المجاهدين، ولاية وهران، ع:166 ، 2004 ص.32

[9]- CAOM ;56/SERIE CONTINUE.RAPP .C.M.NEDROMA.JANVIER 1954

[10]- IBID

[11]- CAOM ;92&113 ;PRG ;ORAN ;12_02_1954

[12] - نهاري علي،من سجل شهداء و مجاهدي الولاية الخامسة، مكتبة الرشاد، الجزائر، 2008، ص.193

[13] - نفسه، ص.307.

[14] -بن داود فاطنة، شهادة حية، ماي 2010، فلاوسن ، تلمسان.

Mis à jour (Mardi, 06 Mars 2012 12:00)